أحمد بن محمد ابن عربشاه

58

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ولايته الزاهرة ، ومضى ما كان أنواه من المصاهرة ، وأسبل عليه ذيل الإنعام وزاد له من الإكرام ما انتظم به أمره واستقام . وإنما أوردت هذا الخبر ؛ لتعلموا أن الزمان في المجيء والممر ، مطيع لما أضمر السلطان وما أظهر ، وما أحلاه في أمر رعيته وما أمرّ ، . وقد قيل : عدل السلطان خير من خصب الزمان . وإذا لم يكن الملك برعيته شفيقا ، ولا بارا ولا رفيقا ، ولم يتجاوز عن مسيئهم ، متلهفا لدعائهم ، مشغوفا بمحبتهم ، محسنا لمحسنهم ، قائما يحفظ مأمنهم ؛ فالأولى بهم أن يهاجروا عن مملكته ويخرجوا عن إقليم ولايته . قال رب العالمين لنبيه وحبيبه سيد المرسلين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] . فينبغي للحاكم أن لا يؤاخذ أحد بجريرة أحد ابدا ، قال الله جل ذكرا وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام : 164 ] . ولو طلب أحد بجريرة أحد ، ولحق البريء بسبب المذنب عقوبة ونكد ؛ لفسدت المملكة وانتشرت المهلكة ، واضطربت الرعية ، وانخرمت القواعد العلية ؛ ولو فعل ذلك المتقدم من الملوك ؛ لهلك الصعلوك ، وانسد الطريق المسلوك ، وانخرمت القاعدة على المالك والمملوك ، ولم يبق للتاجر شيء ، ولا على وجه الأرض حي . ويجب على من باشر عند الملوك أمرا من الأمور ، أو حكما على الجمهور ، وأن يكون في دينه متينا ، وعلى الناس أمينا ، سديد الفكر ، قويم النظر ، صدوق النطق ، ظاهر الصدق ، دائرا مع الحق يقظان ، مراقب في خواتيم أمره والعواقب ، عادلا بين الأخصام ، شفيقا على الخاص والعام ، ثابتا في النوازل ، معدود في البوازل ، مشغولا بتهذيب نفسه ، متذكرا يومه